logo-img
السیاسات و الشروط
انجي محمد ( 16 سنة ) - السعودية
منذ 5 سنوات

الرفق بالحيوان

هل يختلف الرفق بالحيوان عن الرفق بالإنسان؟


جاء في كثير من الاَحاديث الشريفة الحث على الرفق والدعوة إليه وبيان أهميته وتحديد أبعاده وتشخيص ثمراته ، ولا بأس بالوقوف على ضفاف شواطىء تلك الاحاديث ؛ لنغترف من عذب مائها الرقراق في زمن الضمأ ؛ حيثُ الافكار المادية العكرة وما نصبته لهذا الاِنسان من كؤوس مرة المذاق لا تروي الغُلّة ولا تشفي العِلّة . النبي صلى الله عليه وآله وسلم يمدح الرفق : لقد مدح النبي الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم الرفق بأحاديث كثيرة نذكر بعضاً منها : 1 ـ الرفق يُمنٌ والخُرق شُؤم : قال صلى الله عليه وآله وسلم : « الرفق يُمنٌ والخُرق شؤمٌ » قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم « إنّ الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على سواه » . وإنّ الله جل شأنه رفيق ويحب الرفق فلا شك أنّه سبحانه سيقابل رفق الإنسان بأخيه الإنسان ، ورفق الإنسان بالحيوان بالرفق واللطف والسماحة والتجاوز. فيما يخص تعامل الخالق مع مخلوقه في الدنيا أو ما يعود لمحاسبته في الاخرى قال تعالى : ( هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ ) والرفق بإلانسان أولى من الرفق بالحيوان لإن الإنسان هو خليفة الله في أرضه وركّز الاِسلام كثيراً عنايته بحقوق المؤمنين بعضهم على بعض ، حفظاً لكرامة الاِنسان المؤمن ، وصيانة للمجتمع ورصّاً لصفوفه ، قال تعالى : (والمؤمِنُونَ والمؤمِنَاتُ بَعضُهُم أولِياءُ بَعضٍ ) . والرفق واحد من تلك الحقوق التي ينبغي حفظها ، وفي (رسالة الحقوق) التي أفاض بها الاِمام علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام أكمل دستور يتناول شعب الحقوق وجوانبها وألوانها ، وفيها تجد للرفق حظّه المبرّز وهو يوزعه على أولى الفئات التي ينبغي أن يحفظ لها حقّها فيه ، ومنها : ١/المسلمون عامّة : قال عليه السلام : « وحقّ أهل ملّتك : إضمار السلامة ، والرحمة لهم ، والرفق بمسيئهم ، وتألّفهم ، واستصلاحهم ، وشكر محسنهم ، وكفّ الاَذى عنهم» ٢/ حق المستنصح وقال عليه السلام : « وحق المستنصح : أن تؤدّي إليه النصيحة ، وليكن مذهبك الرحمة له والرفق به » ٣/ حق الزوجة وقال عليه السلام : « حقُّ الزوجة: أن تعلم أنّ الله عزّ وجلّ جعلها لك سكناً وأُنساً وتعلم أنّ ذلك نعمةً من الله عليك ، فتكرمها ، وترفق بها ، وإن كان حقك عليها أوجب فإنّ لها عليك أن ترحمها لاَنّها أسيرك ، وتطعمها وتسقيها وتكسوها ، وإذا جهلتْ عفوتَ عنها » . وفي الزوجة جاءت وصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « رفقاً بالقوارير » (4). ٤/حق الصغير وقال عليه السلام : « وحق الصغير : رحمته في تعليمه ، والعفو عنه ، والستر عليه ، والرفق به ، والمعونة له » . وهكذا يزيّن الرفق أخلاق المرء وحياته ، بل أخلاق المجتمع كلّه ، ليسهم مع أخوانه من مكارم الاخلاق في بناء انسان متكامل ومجتمع متين متجانس يسوده الائتلاف والوئام، وتتجذّر فيه كلّ عناصر الصحة والقوّة والصلاح . ٥/ حق الحيوان : الرفق مع الاقتدار ، مبدأ ، وليس وسيلة لتحقيق غاية آنية أو مرحلية ، من هنا فليس هناك حدّ زمني بين الرفق وضدّه ، بل قد يكون هناك حدّ تفرضه طبيعة سلوك الطرف الآخر المقصود بالرفق ، طبيعة سلوكه وليس ذاته.. فالتحوّل مع الطفل من الرفق الظاهر إلى التأديب اللازم أمر يفرضه سلوك الطفل لا ذات الطفولة التي كنا قبل صدور هذا السلوك نتعامل معها بالرفق كلّه.. وكذا فالذات الاِنسانية أيضاً لا تحتكر الرفق لنفسها ، بل تشاركها فيه كلّ ذوات الاَرواح ، وحتّى النبات ، وربما الجمادات الميتة أيضاً ، فلربما رأيتَ صبياً يعبث بالحصى بكلِّ عنف ، يهشم ويحطم ، فأخذتك على هذه الحصى شفقة ، أو أثار فيك المنظر اشمئزازاً . وهذا شأن الخُلق حين يكون متأصلاً في الفطرة ، فكيف بك وأنت ترى معتوهاً يبطش ببهيمة ضعيفة لا تملك الدفاع عن نفسها ولا حيلة لها بالفرار من بين يديه ، إلاّ أنها تصرخ وتجأر بكلِّ ما تحسبه يرقّق القلوب ويستدرّ العواطف عليها من صوت ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « إنَّ الله يحب الرفق ويعين عليه ، فإذا ركبتم الدواب العجف فأنزلوها منازلها ، فإن كانت الارض مجدبة فانجوا عنها ، وإن كانت مخصبة فأنزلوها منازلها » . إنّها تحملكم وتحمل أثقالكم ، وكلّ عزائها أن تمرّ بأرض مخصبة تنهش منها أو ترتع فيها فتقوى على أمرها وتخفّف العناء عن نفسها ، فلاتصنعوا معها صنع الحانق الناقم ، أو الغافل الذي همّه نفسه وقد هيّأ لها الماء والزاد والراحلة دون أن يشعر بأن راحلته لها روح مثله ، فهي تضمأ وتجوع وتجهد مثله.. وفي المعنى ذاته قال أبو جعفر الباقر عليه السلام : « إذا سرت في أرض خصبة فارفق بالسير ، واذا سرت في أرض مجدبة فعجّل بالسير » . وذاك الذي همّه نفسه ، سيهرع إذا بلغ مقصده إلى أدنى فراش طلباً للاسترخاء ، ويدعو عاجلاً بالماء والطعام فلقد أضناه السفر.. تاركاً وراءه ظهراً حمله الطريق كلّه ، لاَنّه لا يملك نطقاً يفصح فيه عن عنائه وحاجته ، وربما لو نطقت أيضاً لما كان حظّها أحسن عند هؤلاء !! ولهؤلاء يقول رسول الاِسلام صلى الله عليه وآله وسلم : « من سافر منكم بدابةٍ فليبدأ حين ينزل بعلفها وسقيها»قبل ان ينشغل بطعام نفسه وسقيها.. إنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبصر ناقة معقولة وعليها جَهازها ، فقال: « أين صاحب هذه الراحلة ، ألا تتقي الله فيها ، إما أن تعلفها ، وإما أن ترسلها حتى تبتغي لنفسها» . هذه هي العدالة النموذجية . وإذا كان الله تعالى قد كرّم الاِنسان وسخّر له ما في السموات وما في الاَرض ، بما في ذلك أصناف من الحيوان يتقوّت بلحومها ، يضع حدّاً لحياتها من أجل أن يقيم حياته ، فإنّه تعالى برٌّ رؤوف رحيم بهذه المخلوقات التي أدّت رسالة خُلقت لاَجلها ، فلا يرضى استغلال اباحتها بما يتنافى مع الرحمة والرأفة والرفق بها ، فأمر عباده على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، صاحب الخُلق العظيم ، الذي لا ينطق عن الهوى ، إذ قال : « إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ، ليحدّ أحدكم شفرته ، ليريح ذبيحته » قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : « من قتل عصفوراً عبثاً عج إلى الله يوم القيامة منه يقول : ياربِّ إن فلاناً قتلني عبثاً ولم يقتلني لمنفعة » وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : « نهى عن قتل كل ذي روح إلاّ ان يؤذي » وبهذه التعاليم المسالمة والرحيمة بالحيوان يربي الاِسلام أتباعه على الهدفية النافعة غير العبثية ، ويصنع من أحدهم مخلوقاً وديعاً رؤوفاً رحيماً يرفق بالضعيف ولا يطغى عليه .. فهنيئاً لمن صاغ الاِسلام شخصيتهم على فضائله ومكارم أخلاقه حتى صاروا وجوداً نافعاً لا ضرر فيه .

5