وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
أهلاً وسهلاً بكم في تطبيق المجيب
ولدي العزيز، لا يوجد في المصادر الإسلامية الموثوقة، سواء في القرآن الكريم، أو في الأحاديث الصحيحة، ما يشير إلى أنّ النبي سليمان (عليه السلام) قتل حيوانًا يُدعى “البراق” أو “الحصان الطائر”.
وبالتالي، فإنّ الروايات إن وجدت والتي تشير إلى ذلك تُعتبر من القصص غير المثبتة أو المستمدة من الخرافات والأساطير التي لا أساس لها في الشريعة الإسلامية والمصادر التاريخية الموثوقة.
نعم، يمكن أن يكون هنالك خلط أو اشتباه بين الحصان الطائر، وقضية الخيل التي عرضت عليه كما ذكرها القرآن الكريم، قال تعالى في سورة (ص): ﴿ووهبنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِناتُ الْجِيادُ (٣١) فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّی تَوارَتْ بِالْحِجابِ (٣٢)﴾.
حيث اختلف في تفسيرها، فذكر لها تفسيرين مختلفين تماماً في مورد هذه الآيات:
التفسير الأوّل:-
إنّ النبي سليمان (عليه السلام) كان يَستعرض الجياد عند العصر لتجهيزها للجهاد، كما هو الحال في استعراضه لجنوده الوارد في الآية (١٧) من سورة النمل: ﴿وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس﴾ فارتباط سليمان بالخيل كان لأغراض جهاديّة، وفي سبيل الله، ولذا قال: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ واستمرَّ سليمان في استعراضه للخيل، حتی توارت عن ناظريه، فأمر بإعادة عرضها عليه، وفي الاستعراض الثاني قام سليمان بالمسح علی أعناقها وسيقانها إكراماً لها.
وهذا التفسير ينسجم مع ظاهر الآية، وقد نقله الفخر الرازي والسيد المرتضی، كما أنَّه هو المستفاد من كلام العلّامة المجلسي في بحار الأنوار، ج١٤، ص(١٠٤)، وهو أحد الاحتمالين المرجحين عن السيد الطباطبائي، وطبقاً لهذا التفسير يكون المراد من جملة: ﴿حَتَّی تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ ابتعاد الخيل عن محلِّ العرض وعن ناظري سليمان (عليه السلام)، ويكون المراد من: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ طلب تكرار عرضها عليه.
التفسير الثاني:-
جاء في بعض التفاسير: إنّ النبي سليمان (عليه السلام) شغله استعراض الخيل عن صلاة العصر حتّی غابت الشمس، وقد أزعجه ذلك وأمر بإعادة الشمس وانشغل بالوضوء بمسح يديه ورأسه وعنقه.
وهذا التفسير يواجه الملاحظات التالية:
١- لم تتعرَّض الآيات إطلاقاً لذكر الشمس، حتّی يكون المراد من قوله: ﴿تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ هو الغروب، ولكي يكون المراد من: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ هو ردّ الشمس.
٢- إنَّ النبيّ الذي وصفه الله (عزَّ وجلَّ) في الآيات السابقة مثنياً عليه بأنّه ﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ و ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ كيف يمكن أن يَصفه في الآية التالية بأنّه نسي الصلاة؟!
٣- كيف يمكن توجيه طلب ردّ الشمس بلغة الأمر، ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾؟ فإذا كانت الصلاة التي تُركت واجبة، فإنَّ ذلك يتنافی وشأن النبي (عليه السلام) وإذا كانت الصلاة المفترض أنّها تركت مستحبة فأيُّ معنی لردّ الشمس لأجل الإتيان بالنافلة؟
وقد ورد هذا التفسير في بعض الروايات، ولكنّ الروايات التي وردت بهذا التفسير ليست صحيحة السند، وتتنافی مع قواعد العقل، ومنها أنّ الأنبياء لابدَّ أن يكونوا معصومين، ولذا كان من الأفضل إرجاع أمر هذه الروايات إلی أهلها(١).
وقيل: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ الضمير للخيل والمراد بمسح أعناق الخيل، وسوقها ضربها بالسيف، وقطعها والمسح القطع فهو (عليه السلام) غضب عليها في الله لما شغلته عن ذكر الله فأمر بردها، ثم ضرب بالسيف أعناقها وسوقها فقتلها جميعا.
وفيه: أنّ مثل هذا الفعل مما تتنزه ساحة الأنبياء (عليهم السلام) عن مثله فما ذنب الخيل لو شغله النظر إليها عن الصلاة، حتی تؤاخذ بأشد المؤاخذة، فتقتل تلك القتلة الفظيعة عن آخرها مع ما فيه من إتلاف المال المحترم؟!!(٢).
ودمتم موفقين.
___________________________________
(١) تفسير النور، محسن قرائتي، ج٨، ص(٨٥-٨٦) بتصرف.
(٢) تفسير الميزان، السيد الطباطبائي، ج١٧، ص(٢٠٣- ٢٠٤) بتصرف.