ورد في كتب عديدة حول آباء النبي محمد (صلي الله عليه وآله وسلم) ما يلي:
"ان جميع آبائه عليه السلام وأمهاته كانوا علي التوحيد لم يدخلهم كفر ولا عيب ولا رجس ولا شيء مما كان عليه أهل الجاهلية" اي ان جميع ابائه وامهاته (عليه الصلاة والسلام) كانوا علي التوحيد من ابيه الاول حتي نبي الله ادم (عليه السلام )فان كان كذلك ففي زمن الانبياء (عليهم السلام) علي أي دين كانوا؟ مثلا في زمن نبي الله موسي (عليه السلام) هل كانوا علي الديانة اليهودية لان نبي الله موسي (عليه السلام) حجه عليهم وهو نبي زمانه وكذلك في زمن نبي الله عيسي (عليه السلام) وكذلك بالنسبة لباقي الانبياء وهل يحق لنا ان نقول: انهم كانوا يهودا او نصاري او غيرذلك ام لا؟ وكيف؟ يرجي بيان الامر.
تدلّ الدلائل التاريخية والعقلية والمنطقية، علي أنّ النبي الاَكرم «صلي الله عليه وآله وسلم» لم يعبد غيرَ اللّه منذُ ولد حتي رحل إلي ربّه، وكذلك ما كان عليه آباؤه وكفلاؤه.
فجدّه عبد المطلب، طلب من اللّه وهو في الكعبة أن يرد هجوم أبرهة ويهزم جيشه، فقد كان الموحّد الذي لا يلتجئَ في المصائب والمكاره إلي غير كهف اللّه. كما أنّه كان يستسقي بالتوسّل إلي اللّه تعالي. وقد اعترف الموَرّخون بذلك، فقد ذكر اليعقوبي ذلك قائلا: «ورفض عبد المطلب عبادة الاَوثان والاَصنام، ووحّد اللّه عزّوجلّ، ووفي بالنذر، وسنّ سنناً نزل القرآن بأكثرها، وجاءت السنّة الشريف من رسول اللّه بها، وهي الوفاء بالنذر، ومائة من الاِبل في الدية، وألا تنكح ذاتُ محرم، ولا توَتي البيوت من ظهورها، وقطع يد السارق، والنهي عن قتل الموؤدة، وتحريم الخمر، وتحريم الزنا والحدّ عليه، والقرعة، وألاّ يطوف أحد بالبيت عرياناً،وتكريم الضيف،وألا ينفقوا إذا حجّوا إلاّ من طيب أموالهم، وتعظيم الاَشهر الحرم، ونفي ذات الرايات[1].
كل ذلك يوَكد تماماً توحيده وإيمانه باللّه واعترافه برسالة النبي "صلي الله عليه وآله وسلم".
وكذلك كان عمّه أبو طالب، فله مواقف كثيرة بارزة قبل البعثة، تكشف عن عمق إيمانه وتوحيده، فقد اعتبر حامي الدين والمدافع عن المسلمين، آمن بالنبي (صلي الله عليه وآله وسلم) واعتبره في قمة الكمال الاِنساني، بالاِضافة إلي أنّه أحلّه من قلبه محلَ الابن والاَخ، فكان يصحبه معه إلي المصلّي، ويستسقي به، حيث كانت دعوته تُستجاب دون تأخير، كما اصطحبه معه في سفره إلي الشام، كما أنّ دفاعه عن النبي (صلي الله عليه وآله وسلم ) لم يكن مادياً، فلم يقصد من وراء ذلك كسباً مادياً من مال وثروة، كما لم يهدف للحصول علي جاه ومقام وإحراز مكانة اجتماعية مرموقة، لاَنّه كان يمتلك في المجتمع أعلي المناصب، فقد كان رئيساً لمكّة المكرّمة، بل إنّه فقد منصبه ومكانته بسبب موقفه الموالي للنبي (صلي الله عليه وآله وسلم ) وعدم الاستجابة لقومه في تسليمه "صلي الله عليه وآله وسلم "لهم، ممّا استوجب سخط الزعماء عليه واستياءهم منه، وإظهار العداء له ولبني هاشم عامة.
فالقول بأنّ تضحية أبي طالب في سبيل النبي(صلي الله عليه وآله وسلم) بالنفس والنفيس كان بدافع علاقة القربي والعصبية القبلية، تصوّر باطل، إذ ان ذلك كان بدافع اعتقاده الراسخ برسول اللّه (صلي الله عليه وآله وسلم ) الذي اعتبره مظهراً كاملاً للفضيلة والاِنسانية، وأنّ دينه أفضل برنامج للسعادة. ولما كان يحب الحقيقة والكمال والحقّ، فقد كان من الطبيعي أن يدافع عن تلك الفضائل وينصرها بكلّ جهوده وقواه.[2]
وهكذا الكلام في سائر اباء النبي صلي الله عليه واله وسلم فهم رجالات معروفة بورعها وتقواها وايمانها
اذا عرفنا ذلك ننتقل الي النقطة الثانية: لاريب ان الدين هو الاسلام ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلام )[3] ، وان الديانات التوحيدية هي الديانة الابراهيمية ( مِلَّةَ أَبيكُمْ إِبْراهيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمين )[4] وقول يوسف عليه السلام ( وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائي إِبْراهيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوب )[5] وقوله تعالي: ( ديناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهيمَ حَنيفاً وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكين )[6] وقوله تعالي: ( ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهيمَ حَنيفا )[7].
ومن هنا نجد ان القرآن الكريم يؤكد ان سلسلة النبوات واحدة وان الحلقة الثانية تكمل الحلقة الاولي لا انها تعارضها أو تنافيها،كما يؤكد ان الدين واحد هو الاسلام اي التسليم لله وانه يشترك باصول ثابته لاتتغير ولاتتحول وهي التوحيد والنبوة والمعاد، وهذه ثابتة في كل الديانات التوحيدية، واما الشرايع فقد تتغير بعض الاحكام اما بالكلية او تتغير علي نحو الجزئية مثال الاول تحريم الصيد يوم السبت علي بني اسرائيل وتحريم اكل الشحوم الحيوانية عليهم، ومثال الثاني مثل الصوم فلاشك ان الصوم المفروض في الشريعة اليهودية ليس نفس الصوم عند المسلمين، واما التسميات باليهودية والمسيحية وغيرها فهي تسميات متاخرة وليست هي حقيقة الدين.ولذلك: يجب علي المسلم ان يعترف بالرسل السابقين، وبكتبهم الصحيحة، وبما جاءوا به من مبادئ، قال تعالي:
( قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَ ما أُنْزِلَ إِلي إِبْراهيمَ وَ إِسْماعيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ ما أُوتِيَ مُوسي وَ عيسي وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُون )[8].
من هنا نعرف ان آباء النبي صلي الله عليه وآله وسلم كانوا علي ملة ابراهيم عليه السلام، علما ان عيسي عليه السلام لم يات بشريعة تغاير شريعة موسي عليه السلام بل جاء بوصايا وارشادات اخلاقية.
هذا بالنسبة الي آباء النبي (ص) واما نفس النبي فقد وقع البحث بين العلماء في الشريعة التي كان عليها - بعد ان اتفق الجميع علي انه صلي الله عليه وآله وسلم كان موحدا ولم يسجد لصنم ولم ينحرف عن جادة التوحيد طرفة عين.