ما هي العلة(الحكمة) من الرجعة اذا كان المؤمن والكافر سوف يحاسبون يوم القيامة؟
الواقع ان كثيرا من الاحكام غير معللة ولكن مع مر العصور انكشف الكثير منها ولعل الرجعة من بين هذه المفاهيم التي سيكشف زمن وقوعها عن الهدف منها.
ومن هنا نرسل لك ماجاء في كتاب ( الرجعة او االعودة الي الحياة الدنيا بعد الموت) حيث جاء فيه:
الهدف من الرجعة :
إنَّ أحداث آخر الزمان لا تزال في ظهر الغيب ، إلاّ أننا نستطيع أن نقرأ الحكم عليها أيضاً ، لاَنّ العدل الاِلهي مطلق لا يحدّه زمان ولا مكان ، والحكم بالعدل أصيل علي أحداث الماضي والحاضر والمستقبل ، ولو لم يبق من الدنيا إلاّ يوم لطوّل الله تعالي ذلك اليوم حتي يأتي بالخير المخبوء المتمثّل بمهدي آخر الزمان عليه السلام ورجاله ليجتثَّ مؤسسات الباطل وأجهزة الظلم والجور ويملاَ الاَرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً قال تعالي :
( ويقولونَ متي هذا الفتحُ إن كُنتُم صادقِينَ * قُلْ يَومَ الفتحِ لا ينفعُ الَّذينَ كَفُروا إيمانُهُم ولا هُم يُنظرونَ ) .[1]
روي الشيخ الصدوق بالاسناد عن محمد بن أبي عمير ، قال : كان الصادق جعفر بن محمد عليه السلام يقول :
« لكلِّ أُناسٍ دولةٌ يرقبونها * ودولتنا في آخر الدهر تظهرُ ».[2]
إنَّ تطبيق العدالة السماوية في الاَرض قبل يوم المحشر وقيام الناس للحساب الاَكبر يشمل ثلّة من الماضين كما يشمل الذين هم في زمان ظهور الاِمام عليه السلام ، والماضون هم أُولئك الذين حكم عليهم بالعودة إلي الحياة مرة أُخري ، ويشكّلون لفيفاً متميزاً من المؤمنين والظالمين ، يعودون لينال المجرمون الذين محضوا الكفر محضاً جزاء ما اقترفته أيديهم الآثمة من الظلم والفساد ومحاربة أولياء الله وعباده المخلصين ، وما يستحقونه من حدود الله تعالي التي عطّلوها وأسقطوها من حسابهم ، واستبدلوها بالكفر والطغيان ، ليذوقوا العذاب في دار الدنيا ولعذاب الآخرة أشدَّ وأخزي .
وعودة المؤمنين تعني انتصار أولياء الله الذين محضوا الاِيمان محضاً بعد أن ذاقوا الويل والعذاب لدهور طويلة من قبل أولئك المتسلطين والمتجبرين ، وهذا المعني يمكن أن نستشعره في قوله تعالي : ( وحرامٌ علي قريةٍ أهلكنَاها أنهُم لا يرجعُونَ ) [3] فهو يعني أنَّ الذين ذاقوا العذاب
في هذه الدنيا علي كفرهم وطغيانهم لا يرجعون إليها ، وإنما يرجعون في القيامة ليذوقوا العذاب في نارها ، والعودة إلي الدنيا إنَّما تختصُّ بغيرهم من الكافرين والظالمين المفسدين في الاَرض الذين لم يذوقوا ألم القصاص فيها ، ولا يصحّ أن يكون المراد بالآية أنّهم لا يرجعون في القيامة لوضوح بطلانه .
ويمكن من خلال دراسة الاَحاديث الواردة في هذا المجال وأقوال الاَعلام تحديد ثلاثة أهداف ينطوي عليها هذا الاَمر الخارق :
1 ـ القتال علي الدين ، فقد روي عن الاِمام الباقر عليه السلام أنّه قال : « كنت مريضاً بمني وأبي عليه السلام عندي ، فجاءه الغلام فقال : هاهنا رهط من العراقيين يسألون الاَذن عليك . فقال أبي عليه السلام : أدخلهم الفسطاط ، وقام إليهم ودخل عليهم ... المزید.......... فقال : إنَّ هؤلاء العراقيين سألوني عن أمرٍ كان مَن مضي مِن آبائك وسلفك يؤمنون به ويقرون ، فغلبني الضحك سروراً أنَّ في الخلق من يؤمن به ويقرُّ .
فقلت : وما هو ، جعلت فداك ؟
قال: سألوني عن الاَموات متي يبعثون فيقاتلون الاَحياء علي الدين » .[4]
2 ـ مقاتلة أعداء الله ورسوله وأهل بيته عليهم السلام ، فقد روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال : « العجب كلّ العجب بين جمادي ورجب » فقام رجل فقال : يا أمير المؤمنين ، ما هذا العجب الذي لا تزال تعجب منه؟ فقال : « وأيّ عجب أعجب من أموات يضربون كلّ عدو لله ولرسوله ولاَهل بيته ، وذلك تأويل هذه الآية ( يا أيُّها الَّذينَ آمنُوا لاتتولَوا قَوماً غضبَ اللهُ عليهِم قد يَئسُوا مِنَ الآخرةِ كما يئسَ الكُفّارُ مِن أصحابِ القُبُور ِ )»[5]
3 ـ إقامة القصاص والعدل ، فقد روي عن الاِمام موسي بن جعفر عليه السلام أنّه قال : « لترجعنَّ نفوس ذهبت ، وليقتصنَّ يوم يقوم [6] ، ومن عُذّب يقتصّ بعذابه ومن أُغيظ أغاظ بغيظه ، ومن قُتِل اقتصّ بقتله ، ويردّ لهم أعداؤهم معهم حتي يأخذوا بثأرهم ، ثم يعمّرون بعدهم ثلاثين شهراً ، ثم يموتون في ليلة واحدة قد أدركوا ثأرهم ، وشفوا أنفسهم ، ويصير عدوّهم إلي أشد النار عذاباً، ثم يوقفون بين يدي الجبّار عزَّ وجل فيؤخذ لهم بحقوقهم » [7]
وفي هذا المجال يقول الشيخ المفيد : إنَّ الله تعالي يردّ قوماً من الاَموات إلي الدنيا في صورهم التي كانوا عليها ، فيعزُّ منهم فريقاً ، ويذلُّ فريقاً ، ويديل المحقين من المبطلين والمظلومين منهم من الظالمين ، وذلك عند قيام مهدي آل محمد عليه السلام ، وإنَّ الراجعين إلي الدنيا فريقان : أحدهما من علت درجته في الاِيمان ، وكثرت أعماله الصالحات وخرج من الدنيا علي اجتناب الكبائر الموبقات ، فيريه الله عزَّ وجلَّ دولة الحق ويعزّه بها ، ويعطيه من الدنيا ما كان يتمناه ، والآخر من بلغ الغاية في الفساد ، وانتهي في خلاف المحقين إلي أقصي الغايات ، وكثر ظلمه لاَولياء الله ، واقترافه السيئات ، فينتصر الله تعالي لمن تعدي عليه قبل الممات ، ويشفي غيظهم منه بما يحله من النقمات ، ثم يصير الفريقان من بعد ذلك إلي الموت ، ومن بعده إلي النشور وما يستحقونه من دوام الثواب والعقاب ، وقد جاء القرآن بصحة ذلك وتظافرت به الاَخبار ، والامامية بأجمعها عليه إلاّ شذاذاً منهم تأوّلوا ما ورد فيه علي وجه يخالف ما وصفناه.[8]