كيف نسب النبي ابراهيم(ع) التكسير إلي كبير الأصنام ؟
قال: ان النبي ابراهيم عليه السلام قد كذب وهذا ينافي العصمة والدليل قول الله سبحانه: بل فعله كبيرهم ، نرجو من سماحتكم بشرح هذه الاية وتفسيرها لنا وتفنيد انها غير كذبة او لما ذا كذب ؟
زعمت المخطّئة أنّ قوله عليه السلام (بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُم)[1] ، كذب لا شك فيه لأنه هو الذي كسر الأصنام و جعلها جذاذا إلاّ كبيرها، فكيف نسب التكسير إلي كبيرها؟
و لا يخفي أنّ الشبهة واهية جدا، لأنّ الكذب في الكلام إنّما يتحقق إذا لم يكن هناك قرينة علي أنّه لم يرد ما ذكره، بالإرادة الجدية، و إنما ذكره لغاية أخري، و مع تلك القرنية لا يعد الكلام كذبا، و القرينة في الكلام أمران:
الأول: قوله عليه السلام عند مغادرة قومه البلاد و مخاطبتهم بقوله: « وَ تَاللَّهِ لَأَكيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرين )[2] و لا يصح حمل ذلك علي أنّه قاله في قلبه و فكرته، لا بصورة المشافهة و المصارحة، و ذلك لأنّ إبراهيم كان مشهورا بعدائه و كرهه للأصنام، حتي أنهم بعد ما رجعوا إلي بلدهم ووجدوا الأصنام جذاذا أساءوا الظن به، و اتهموه بالعدوان علي أصنامهم و تخريبها و ( قالُوا سَمِعْنا فَتًي يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهيمُ )[3]
الثاني: انّ من المسلّم بين إبراهيم و عبدة الأصنام أنّ آلهتهم صغيرها و كبيرها لا تقدر علي الحركة و الفعل، فمع تلك القرينة و التسليم الواضح بينه و بينهم، بل و بين جميع العقلاء، إذا أجاب إبراهيم بهذا الكلام يعلم منه أنّه لم يتكلم به لغاية الجد، بل لغاية أخري حتي ينبه القوم إلي خطئهم في العقيدة.
و يزيد توضيحا ما ورد في القصص: إنّ ابراهيم بعد أن حطّم الأصنام الصغيرة جعل الفأس علي عنق كبيرها، حتي تكون نسبة التحطيم الي الكبير، مقرونة بالقرينة و هي: أنّ آلة الجرم تشهد علي كون الكبير هو المجرم دون إبراهيم، و من المعلوم أنّ هذا العمل و الشهادة المزعومة، أشبه شيء في مقام العمل باستهزائه بالقوم و سخريته مما يعتقدون.
فعلي تلك القرائن قد تكلم إبراهيم بهذه الكلمة لا عن غاية الجد، بل لغاية أخري كما يبيّنها القرآن، فإذا انتفي الجد بشهادة القرائن القاطعة ينتفي الكذب.
و أمّا الغاية من هذا الكلام فهو أنّه طرح كلامه بصورة الجد و إن لم يكن عن جد حقيقي، و طلب منهم أن يسألوا الاصنام بأنفسهم، و أنه من فعل هذا بهم؟ لغاية أخذ الاعتراف منهم بما أقرّوا في الآية، أعني قولهم: ( لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُون ) حتي يتسنّي للخليل عليه السلام ( قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَ لا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَ لِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُون )[4] و في موضع آخر يقول: ( أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُون* وَ اللَّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ )[5]، فتبين من ذلك أنّ قوله: ( بل فعله كبيرهم ) لم يكن كلاما عن جد و جزم و عزم حتي يوصف بالكذب، بل كان كلاما ألقي علي صورة الجد ليكون ذريعة لإبطال عبادتهم و شركهم، و كانت القرائن تشهد علي أنّه ليس كلاما جديا و لو كان هذا الكلام صادرا من عاقل غير النبي عليه السلام لأجزنا لأنفسنا أن نقول: إنّ الغاية، الاستهزاء و التهكّم بعبدة الاصنام و الأوثان حتي يتنبّهوا بذلك الوجه إلي بطلان عقيدتهم و لما كان هذا النمط من الحوار و الاحتجاج الذي سلكه إبراهيم في غاية القوة و المتانة، لم يجد القوم جوابا له إلا الحكم عليه بالتعذيب و الإحراق شأن كل مجادل و معاند إذا أفحم، كما يقول سبحانه ( قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحيم* فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلين) [6]
و في آية أخري: ( قالُوا حَرِّقُوهُ وَ انْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلينَ )[7]
هذا هو الحق الصراح لمن طالع القصة في القرآن الكريم، و من أمعن النظر فيها يجد أنّ الجواب هو ما ذكرناه.
جواب آخر عن السؤال: و ربما يجاب بأنه لم يكذب و انما نسب الفعل إلي كبيرهم مشروطا لا منجزا، وانما يلزم الكذب لو نسبه علي وجه التنجيز حيث قال: ( قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ )[8] فكأنه قال: فعل كبيرهم هذا العمل إن كانت الأصنام المكسورة ناطقة و بما أنّ المشروط ينتفي بانتفاء شرطه، و كان الشرط ـ أعني نطقها ـ منتفيا كان المشروط ـ أي كون الكبير قائما بهذا الفعل ـ منتفيا أيضا.
و هذا الجواب لا ينطبق علي ظاهر الآية لأنها تشتمل علي فعلين:
أحدهما قريب من الشرط، و الآخر بعيد عنه، و مقتضي القاعدة رجوع الشرط إلي القريب من الفعلين لا إلي البعيد، و الرجوع إلي كلا الفعلين خلاف الظاهر أيضا. و اليك توضيحه:
1 ـ بل فعله كبيرهم: الفعل البعيد من الشرط.
2 ـ فأسئلوهم: الفعل القريب من الشرط.
3 ـ ان كانوا ينطقون: هذا هو الشرط.
فرجوعه إلي الأول وحده: أو كليهما، خلاف الظاهر، و المتعين رجوعه إلي الثاني، فصار الحكم بأنّه فعله كبيرهم، منجزا لا مشروطا.[9]