logo-img
السیاسات و الشروط
منذ 4 سنوات

أسئلة ثلاثة حول عصمة النبي يونس عليه السلام

النبي يونس عليه السلام: أسئلة ثلاثة حول عصمته!!. ألف: ما معني كونه مغاضباً؟ و من المغضوب عليه؟ ب: ماذا يراد من قوله: (فظن أن لن نقدر عليه)؟ ج: كيف تجتمع العصمة مع اعترافه بكونه من الظالمين؟


هذه هي الأسئلة الحسّاسة في قصة يونس عليه السلام  قد تمسّك بها المخطّئة و إليك توضيحها واحدا بعد واحد: أما الأول: فقد زعم المخطّئة أنّ معناه أنّه خرج مغاضباً لربّه من حيث إنّه لم ينزل بقومه العذاب.و لكنّه تفسير بالرأي، بل افتراء علي الأنبياء، و سوء ظن بهم، و لا يغاضب ربّه إلاّ من كان معادياً له و جاهلا بحكمه في أفعاله، و مثل هذا لايليق بالمؤمن فضلا عن الأنبياء. و إنّما كان غضبه علي قومه لمقامهم علي تكذيبه و إصرارهم علي الكفر و يأسه من توبتهم فخرج من بينهم‏ هكذا فسّره الإمام الرضا (عليه السلام) عندما سأله المأمون عن مفاد الآية و قال «ذلك يونس بن متي ذهب مغاضباً لقومه» و أما الثاني: أعني: (ً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْه‏)  فالفعل، أعني: (َنقْدِرَ) من القدر بمعني الضيق لا من القدرة ،قال سبحانه: (وَ مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّه)  و قال سبحانه: (إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِر) فمعني الآية أنّه ظن أن لا يضيق عليه الأمر لترك الصبر و المصابرة مع قومه، لا بمعني أنّه خطر هذا الظن بباله، بل كان ذهابه و ترك قومه يمثل حالة من ظن أن لن نقدر عليه في خروجه من قومه من غير انتظار لأمر اللّه، فكانت مفارقته قومه ممثلة لحال من يظن بمولاه ذلك. و أمّا تفسيره بأنّه ظن أنّه سبحانه لا يقدر عليه، فهو تفسير بما لا تصح نسبته إلي الجهلة من الناس فضلا عن الأولياء و الأنبياء. و بما أنّ مفارقته قومه بلا إذن منه سبحانه كان يمثل حال من يظن أن لا يضيّق مولاه عليه ابتلاه اللّه بالحوت فالتقمه. فوقف علي أنّه ترك ما هو الأولي فعلاً، فندم علي عمله (ِ فَنادي‏ فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاَّ أَنْت). و نقل الزمخشري في كشّافه: عن ابن عباس أنّه دخل علي معاوية فقال: لقد ضربتني أمواج القرآن البارحة، فغرقت فيها، فلم أجد لنفسي خلاصاً إلاّ بك قال: و ما هي يا معاوية؟ فقرأ هذه الآية و قال: أ و يظن نبي اللّه أن لا يقدر عليه؟ قال: هذا من القدر لا من القدرة. ثم أضاف صاحب الكشاف: يصح أن يفسر بالقدرة علي معني «أن لن نعمل فيه قدرتنا» و أن يكون من باب التمثيل، بمعني فكانت حالته ممثلة بحال من ظنّ أنّ لن نقدر عليه في مراغمته قومه من غير انتظار لأمر اللّه، و يجوز أن يسبق ذلك إلي وهمه بوسوسة الشيطان ثم يردعه و يردّه بالبرهان، كما يفعل المؤمن المحق بنزعات الشيطان و ما يوسوس إليه في كل وقت‏  و لا يخفي أنّ ما نقله عن ابن عباس هو المعتمد، بشهادة استعماله في القرآن بمعني الضيق، و هو المناسب لمفاد الآية، و أمّا الوجهان الآخران فلا يصح الركون إليهما، خصوصاً الوجه الأخير، لأّن الأنبياء أجل شأناً من أن تحوم حول قلوبهم الهواجس الشيطانية حتي يعودوا إلي معالجتها بالبرهان، فليس له سلطان علي المخلصين من عباده، و قد اعترف بذلك الشيطان و قال كما يحكيه سبحانه: (إِلاَّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصين‏) و أمّا السؤال الثالث: فجوابه أنّ الظلم في اللغة بمعني وضع الشئ في غير موضعه و لا شك أنّ مفارقته قومه و تركهم في الظرف القلق العصيب كان أمرا لا يترقب صدوره منه، و إن لم يكن عصياناً لأمر مولاه، فالعطف و الحنان المترقب من الأنبياء غير ما يترقب من غيرهم، فلأجل ذلك كان فعله واقعاً غير موقعه. و من المحتمل أن يكون الفعل الصادر منه في غير موقعه هو طلبه العذاب لقومه و ترك المصابرة، و يؤيده قوله سبحانه: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادي‏ وَ هُوَ مَكْظُوم‏) فالظاهر أنّ متعلق النداء في‏الآية طلب نزول العذاب علي قومه بقرينة قوله: (وَ هُوَ مَكْظُوم) أي كان مملوءً غيضاً أو غماً، و المعني: يا أيّها النبي لا تكن مثل صاحب الحوت، و لا يوجد منك مثل ما وجد منه من الضجر و المغاضبة، فتبتلي ببلائه، فاصبر لقضاء ربك، فإنه يستدرجهم و يملي لهم و لا تستعجل لهم العذاب لكفرهم. و يستفاد من بعض الروايات أنّ سبب لومه و ردعه كان أمرا ثالثاً، و هو أنّه لمّا وقف علي نجاة أمتّه غضب و ترك المنطقة و الوجهان: الأول و الثاني هما الصحيحان. و مما ذكرنا يعلم مفاد قوله سبحانه: (إِذْ أَبَقَ إِلَي الْفُلْكِ الْمَشْحُون‏) فشبّه حاله بالعبد الآبق، و ذلك لما مرّ من أنّ خروجه في هذه الحال كان ممثلاً لإباق العبد من خدمة مولاه، فآخذه اللّه بذلك. و علي كل تقدير فالآيات تدل علي صدور عمل منه كان الأليق بحال الأنبياء تركه، و هو يدور بين أمور ثلاثة: أمّا ترك قومه من دون إذن، أو طلب العذاب و كان الأولي له الصبر، أو غضبه علي نجاة قومه.

2